وقف ابشير باشا

تاريخ الفن والعمارة
رامي الأفندي

وقف إبشير مصطفى باشا، بوابة خان العَرَصَة

تاريخ البناء

كان إبشير مصطفى باشا، باني الوقف، والياً على حلب في الفترة (1061-1064هـ/1651-1654م)، ثم أصبح وزيراً أعظماً، لكن لوقت قصير في اسطنبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية.[1] وقد أنشأ هذا المجمع (انظر الصورة 1) في عام 1063هـ/ 1653م، في الضاحية الشمالية من حلب، ليكون أحد هباته الوقفية الكثيرة.[2]  تضرر وتخرب مجمع وقف إبشير مصطفى باشا في معظم أجزائه خلال العام 2015.
كان مجمع الوقف بناء تجارياً بامتياز، فقد تضمن خاناً وقيساريات لتكون ورشات حرفية ومحلات تجارية، وتضمن كذلك سوقاً ومخبزاً ومقهى (قهوة خانة) وقسطل ماء ومسجداً والعديد من المحلات. نُقِشَ تاريخ البناء[3] فوق مدخل قبلية الصلاة للمسجد (انظر الصورة 2) مع اسم المنشئ واسم السلطان العثماني محمد الرابع (محمد خان):
 
"عمر هذا المسجد المبارك في أيام دولت [دولة] سلطان
البرين وخاقان البحرين خادم الحرمين الشريفين
مولانا السلطان ابن السلطان السلطان محمد خان
ابن السلطان ابراهيم خان خلد الله تعالى
خلافته إلى انقراض (الدوران) وذلك إنشاء
صاحب الخيرات مولانا الوزير أبشير مصطفى باشا
محافظ ولايت [ولاية] حلب بتاريخ أواخر شهر ذي القعدة سنة ثلاثة وستين وألف".[4]

1. وقف إبشير مصطفى باشا، مخطط ثلاثي الأبعاد لمجمع الوقف

المعماري

لم يعرف من هو المعماري أو معلم البناء لهذا المبنى، لكن بالنظر إلى السمات المميزة والنمط الفريد للمبنى، يتضح أنه كان هناك واحد أو أكثر من المتخصصين ذوي الخبرة العالية في الهندسة المعمارية والتجارية والدينية المحلية في حلب.[5]

2. وقف إبشير مصطفى باشا، المسجد، النقش فوق مدخل قبلية الصلاة

الموقع والمحيط العمراني

يقع الوقف في مركز حي الجديدة التاريخي، شرق الضاحية الشمالية لمدينة حلب القديمة.[6] يشغل بناء الوقف موقعاً مميزاً، بشكل مستطيل غير منتظم، لينفصل عن المحيط العمراني بشوارع مستقيمة أو اعتيادية. وحسب الدراسة التي قام بها الباحث جان كلو دافيد، فإن موقع الوقف ووظيفته قد اختيرا بعناية ودراية بالمنطقة ومحيطها.[7] لقد كانت الضاحية الشمالية مركز سكن العديد من الحرفيين الذين اختصوا بصناعة النسيج، لذلك بني فيها أكثر من عشر قيساريات خلال القرن 17.[8] كان موقع مجمع الوقف بالأصل أرضاً فارغة تتبع أوقاف المدرسة الحلوية.[9]

كان مجمع الوقف ومنذ فترة إنشائه محاطاً بالعديد من المباني والأحياء المهمة: فحمام بهرام باشا من الفترة العثمانية (991هـ/1583م) يقع إلى الجنوب، وإلى الشرق يقع حيا الشمالي وعبد الحي وسكانهما من المسلمين والمسيحين[10]، وإلى الشمال تقع ساحة الحطب وجامع شرف وحي الهزازة، والحي والجامع هما من الفترة المملوكية والسكان أيضاً من المسلمين والمسيحين[11]. على الجانب الغربي يقع زقاق الكنائس، المؤدي إلى أقدم وأهم مركز مسيحي في حي الجديدة.

3. وقف إبشير مصطفى باشا، مخطط الطابق الأرضي في القرن 17

التصميم الأصلي

إن المصدر الوحيد للتعرف على التصميم الأصلي لمجمع الوقف ووظائفه، ما عدا المبنى نفسه، هو الوثائق الوقفية التي ترجمت للعربية من قبل المؤرخ الحلبي الغزّي.[12] فقد أورد أن مجمع الوقف يتكون من ثماني وحدات، بعضها يضم عدة مباني أو مرفقات (انظر الصورة 1،3)[13]. تم تصميم الأجزاء المفتوحة في المجمع لتكون باتجاه الشمال وهو التقليد المتبع في المباني الحلبية لتتلائم مع الشروط المناخية.

يقع المسجد في الزاوية الجنوبية الشرقية لمجمع الوقف. وسط الطرف الشرقي للمجمع يقع سوق النوال، ويضم العديد من المحلات وعيادة وقيسارية تضم ورشات النسيج مع 13 غرفة علوية و14 غرفة في الطابق الأرضي مع باحة داخلية وبئر ماء. إلى الشمال يقع خان العَرَصَة  الذي خصص لبيع الحبوب وضم 13 محلاً لبيع السمن والعسل. إلى الجنوب من الخان وغرب المجمع هناك قيسارية ثانية تتكون من 28 غرفة على كل من الطابقين العلوي والأرضي وباحة داخلية وبئر ماء.[14]  إلى الجنوب الغربي هناك مخبز وقسطل ماء يقع في أقصى الطرف الجنوبي الغربي. على زاوية الطرف الجنوبي يقع المقهى (قهوة خانه). في الجنوب تقع القيسارية الثالثة والمسماة قيسارية الدولاب تضم 27 غرفة في الطابق العلوي والأرضي. وبين هذه القيسارية والجامع اصطف 16 محلاً مع امتداد الشارع.[15] احتل مجمع وقف إبشير باشا بالأصل مساحة قدرها 6224 متراً مربعاً.[16] لكن حجم وعدد ووظائف أقسام مجمع الوقف تغيرت مع الزمن، خاصة في القرنين 19 و20 ما عدا المسجد الذي حافظ على نفس الوظيفة.

4. وقف إبشير مصطفى باشا، المسجد، المدخل الرئيسي

المسجد

مسجد إبشير باشا هو أصغر مبنى في مجمع الوقف (137 متراً مربعاً) وله واجهتان على الشارع في الزاوية الجنوبية الشرقية للمجمع (انظر الصور 1،3).  وُجِّه المبنى الداخلي للمسجد وبشكل كامل ليكون منحرفاً بزاوية مقدارها 12 درجة بالنسبة للجدارن الخارجية، ليطابق بذلك اتجاه القبلة (مدينة مكة) باتجاه الجنوب وقليلاً للغرب. يتكون الجامع من باحة داخلية وقبلية صلاة تعلوها قبة ومئذنة قصيرة وكتّاب لتعليم الأطفال وقسطل.[17] قبة قبلية الصلاة ليست ظاهرة للشارع، وبالتالي لا تلفت النظر لوجود المسجد.   

يقع مدخل المسجد على الطرف الشرقي (انظر الصورة 4).  بالإضافة لنص التأسيس باللغة العثمانية، فإن مدخل المسجد قد زُخرِفَ بالنمط المتناوب من الحجارة ذات اللون الأسود والأبيض والأصفر (نمط الأبلق)، والنافذتان على الواجهة الجنوبية للشارع لهما نمط زخرفة مشابه. تضم واجهة القبلية المطلة على الباحة مدخلاً أبسط من المدخل الرئيسي، وعلى كل جانب من المدخل هناك نافذة مزينة بزخارف حجرية منحوتة بأنماط نباتية. قبلية الصلاة المستطيلة هي ذات نمط ثلاثي: حيث قسمت بواسطة قوسين إلى فراغ مربع أمام المحراب وفوقه قبة مركزية وفراغان جانبيان سقفا بقبو. احتوت قبلية الصلاة على نظام تهوية وذلك بواسطة اثنين من البادنج امتدا للأعلى فوق سطح القبلية.[18]

5. وقف إبشير مصطفى باشا، المقهى، داخل الصالة

المقهى

يشكل مقهى أو (قهوة خانه) إبشير مصطفى باشا كتلة مستطيلة الشكل بمساحة كلية (447,48 متراً مربعاً)[19]، وكان المقهى بالأصل يضم باحة داخلية في الشمال وصالة مغطاة في الجنوب (انظر الصورة 1،3). الطرف الطويل للقاعة يشكل الواجهة الجنوبية للشارع ويضم مدخل المقهى. من المفترض أن يكون كل من الباحة وصالة المقهى قد زودا ببركة ماء.[20]

صالة المقهى مخططها مستطيل الشكل: في وسطها فراغ مربع الشكل، وهي مقسمة بواسطة 12 دعامة تعلوها أقواس مدببة لتشكل 20 مجموعة من الفراغات تتبع جميعها نمطين اثنين:  زوج من الفراغات المستطيلة الضيقة على الأطراف الثلاثة للقبة الوسطى، وزوجين من الفراغات المربعة على كل من الزوايتين المجاورتين لهما. وبين الأعمدة السبع التي تشكل فيما بينها فراغاً مستطيلاً، يقف عمود ثماني المقطع تاجه متعدد الوجوه ويتكون من أجزاء هندسية صغيرة تدعى (مقرنصات). الطرف الرابع للصالة، والذي يضم واجهة الباب والنوافذ، مشابه لفراغات الأطراف الثلاث الباقية المحيطة بالقبة، لكنه غير مزدوج. دعامات الصالة المطلة على الباحة أخذت شكل رواق مفتوح، بسبب الأقواس الأربعة المدببة المرتفعة والمفتوحة مباشرة من جدار الصالة لتطل على الباحة الداخلية للمقهى. يعلو مركز الصالة قبة مركزية عالية ترتفع على أربعة دعامات ويتم الانتقال من الشكل المربع للدائري بواسطة أربع زوايا - بشكل مثلثات كروية مع صفوف متدرجة من الوحدات الهندسية- من المقرنصات، ويعلو القبة فانوس (منور) دائري مع أعمدة صغير وقبة مدببة. كما غطيت أجزاء أخرى من السقف بأنماط من الأقبية المتطاولة والمسطحة وقباب صغيرة اعتماداً على شكل الفراغ (انظر الصورة 6). زود المقهى بنظام تهوية، حيث وجدت فتحات تهوية (بادنج) تعلو السقف مع عدد من الفتحات في سقف الأقبية.  كل تلك الخصائص أعطت المقهى تصميماً فخماً ومميزاً.

واجهة المقهى المطلة على الشارع هي الواجهة الأغنى بزخارفها بالنسبة لمجمع الوقف (انظر الصورة 7). زين القسم السفلي منها، الذي يضم المدخل و10 نوافذ، بنمط الأبلق الذي صمم بأشرطة متناوبة من الحجر الأسود والأصفر. وفوقها هناك شريطان مزخرفان بنمط توريق مجرد حيث إن السفلي منها مصمم بحجارة سوداء وبيضاء وصفراء متداخلة والعلوية منحوتة ضمن المداميك. والمنطقة العلوية المركزية فوق النوافذ الستة مؤطرة بحواف من الأشرطة الأفقية من الحجر المنحوت والمزخرف بأنماط هندسية وأشرطة مسننة (انظر الصورة 8).

6. وقف إبشير مصطفى باشا، المقهى، سطح الصالة

القسطل

كان قسطل إبشير مصطفى باشا يشغل الطرف الجنوبي لزاوية الواجهة الغربية للمجمع عند تقاطع الشوارع المجاورة (انظر الصورة 1،3). مقابل القسطل تماماً يقع مدخل زقاق الكنائس وهو أقدم حي مسيحي في الجديدة.

تجويف القسطل يبدو كمحراب بارتفاع 3.40 متراً وعمق 1.20 متراً مع حوض ماء بارز إلى الشارع (انظر الصورة 9)[21]. في قوس المحراب هناك قبة صغيرة ذات مقرنصات مدببة، وهناك شريط من المقرنصات الهندسية، وفي أعلى القسطل يوجد أفريز.

7. وقف إبشير مصطفى باشا، شارع واجهة المقهى ويقابلها واجهة حمام بهرام باشا

الوظائف والتعديلات

كانت معظم قيساريات الضاحية الشمالية متخصصة بتصنيع النسيج، واستمرت حتى أواخر القرن العشرين.[22]  وبحسب المؤرخ الحلبي الغزّي، فإن القيسارية الكبيرة الجنوبية في مجمع الوقف، المعروفة بقيسارية الدولاب، احتوت على أنوال حرير، وكانت تنتج أيضاً المخمل والساتان في بداية القرن العشرين.[23] لكن استخدام الأنوال اليدوية قل تدريجياً واستعيض عنه بالأنوال الصناعية الحديثة. وحتى عام 1979 كان هناك عشرة أنوال في القيسارية الجنوبية.[24]    

على الزاوية الشمالية الشرقية لمجمع الوقف وبين القيسارية الشرقية والخان تم إضافة بناء لمطحنتبن واحدة للحبوب والثانية للعدس في عام 1753.[25]  وحسب الباحث الفرنسي دافيد فإن إضافة هذه المباني كانت لتغطية الطلب المتزايد بسبب الازدياد السكاني في القرن 18. في منتصف القرن 19 تغيرت وظيفة الخان ومحلاته التجارية على الطرف الشمالي، لتصبح مختصة بتخزين وبيع الفحم والحطب، حيث تم أيضاً اقتطاع الجزء الغربي من الخان لفتح محلات تجارية.[26]

فتحت العديد من المحلات التجارية من واجهات الوقف المطلة على الشارع خلال فترة الحرب العالمية الأولى وما بعدها، بالإضافة لفتح فرنين (مخبزين) في الجهة الشرقية.[27]  وظل الفرن القديم يعمل حتى عام 1973.[28]

أضيفت الحجازية كقاعة صلاة إضافية للمسجد حوالي عام 1340هـ/1922م.[29] تم تحويل المقهى لمطحنة ومصنع جليد في نهاية القرن 19. وحوالي العام 1928 تم استخدام جزء من المقهى كمخفر للشرطة. وفي عام 1958 ألغيت المطحنة ومصنع الجليد.[30] في عام 1976 استخدمت باحة المقهى كورشة لتصنيع المفروشات.[31]

وحسب الباحث الفرنسي دافيد، فإن القسطل توقف عن العمل في العام 1982[32] وتحول لاحقاً لمتجر صغير.

8. وقف إبشير مصطفى باشا، المقهى، الواجهة الخارجية، النوافذ العلوية

الخصائص والأهمية المعمارية والفنية

إن مجمع وقف إبشير باشا هو من أكبر وأكثر الأبنية التي أنشأت في حلب تميزاً خلال الفترة العثمانية، وإن التصميم العام لهذا المجمع المتعدد الوظائف والموجود ضمن كتلة معمارية واحدة فريد من نوعه تقريباً. ومع ذلك فإن الجمع بين مسجد على الطرف الجنوبي الشرقي، ومقهى ومخبز على الطرف الجنوبي الغربي في مجمع تجاري ضخم له مشابه في خان مهيار الصفوي قرب مدينة أصفهان الإيرانية[33] التي كانت عاصمة الإمبراطورية الصفوية ومركز إنتاج للحرير ومدينة قوافل ذات علاقات تجارية مهمة مع  حلب في القرن 17.[34] إن الترتيب الكلي للمجمع هو مثال فريد على تخطيط المدن ضمن النسيج العمراني في الفترة المبكرة من الحداثة في حلب.[35]

إن مبنى المقهى (قهوة خانة) هو من أهم مباني ومجمعات الوقف وأكثرها تميزاً بخصائصها المعمارية والفنية. وإن وجود المقاهي هو سمة عامة في كل مدن الشرق الأوسط التاريخية منذ القرن 16. ربما لم يكن مقهى إبشير مصطفى باشا حين بنائه المبنى الوحيد، بل كان هناك العديد من المباني العامة في حلب، لكنه كان المبنى الأكثر فرادة من حيث الحجم والجمال المعماري وليس فقط على الصعيد المحلي. في الحقيقة، فإن المقهى كان واحداً من أندر الأمثلة التاريخية للمقاهى العثمانية والذي كان لازال موجوداً منذ القرن 17 ضمن مدينة كانت من أهم مدن الامبراطورية العثمانية.[36]   

وهناك مثال آخر لمقهى عثماني مميز ولكن أصغر ولازال قائماً وهو مقهى أصلان دادا ولكن تاريخ بنائه غير معروف على وجه الدقة. وفي هذا المقهى يمكن رؤية سمات مميزة مشابه تتمثل في المنطقة المركزية التي تعلوها قبة ويجاورها جناحان مستطيلان ودعامات وأعمدة مثمنة متوسطة تعلوها تيجان مقرنصة.[37] ويشير ذلك لنمط خاص فيما يتعلق بالتصميم الأساسي وزخرفة المقاهي في حلب. ويرجح الباحث الفرنسي دافيد أن تصميم مخطط مقهى مصطفى إبشير باشا مقتبس من العمارة المحلية في حلب وخاصة نمط قاعات الاستقبال في البيوت العثمانية الكبيرة والمكونة من منطقة مركزية تضم بركة أو نافورة صغيرة تعلوها قبة مركزية ومحاطة بثلاثة أجنحة مفتوحة للجلوس.[38] تمت الإشارة إلى بعض الأدلة التي تفترض وجود زخارف خشبية داخلية لصالة المقهى مشابهة لما يوجد في قاعات الاستقبال المحلية.[39] وهكذا يمكن لزوار المقهى الاستمتاع بالفخامة التي وجدت ضمن بيوت الأغنياء الخاصة، ولكن في مكان عام للجميع.

واجهة المقهى المطلة على الشارع فريدة في من نوعها بالنسبة لهذا النوع من المباني وانفتاحها وحجمها والمساحة الكلية للسطح المزخرف.[40] ظهرت الواجهات الخارجية الغنية بالزخارف في مباني الفترة المملوكية في حلب كمثال جامع الأطروش (89601هـ/1398م) وخان الصابون بني حوالي (884هـ/1479م) وقد احتوى كل منها على واجهة بوابة مزخرفة  بعناية. واستمر ذلك في الخانات العثمانية مع زخرفة الواجهات الداخلية أيضاً كخان الجمرك (982هـ/1574م) وخان الوزير (1094هـ/1574م). وبالنسبة للبيوت العثمانية، فقد كانت زخارف الواجهات محصورة فقط للواجهات الداخلية. ورغم ذلك، فقد تشابهت أنماط زخرفة الواجهات كتناوب مداميك الحجر، وتداخلت مع نمط الأبلق، بالإضافة لاستخدام الزخارف المحفورة على الحجر وبكثرة. فمن الأمثلة المميزة واجهات الباحة في الرئيسية لقصر غزالة العثماني (من القرنين 17-18) الذي يقع مقابل الطرف الغربي لمجمع الوقف.

لقد خالف هذا التقليد العثماني كل من مقهى إبشير باشا وحمام بهرام باشا الذي بني قبل الوقف، فواجهتهما قد زخرفتا بوفرة، وكل منهما تقابل الأخرى على طرفي الشارع الممتد من الشرق للغرب جنوب مجمع الوقف، ليشكلا أهم شارع عام تمت زخرفته بتلك الطريقة في حلب.[41] على الزاوية الجنوبية الغربية كانت واجهة قسطل الماء امتداداً لواجهة المقهى.[42] إن قوس القسطل المرتفع كان بمثابة نظير مرئي للقبة المركزية الكبيرة للمقهى مع فانوسها المرتفع. وبذلك تم تكوين معلم مميز لأحد أهم التقاطعات وأكثرها حيوية في حي الجديدة.

9. وقف إبشير مصطفى باشا، القسطل حوالي عام 1920

الأهمية الاجتماعية والاقتصادية

بالنظر إلى أن المباني والمرافق الخاصة قد تم تعديلها باستمرار أو تغييرها أو إضافتها وفقاً للمتطلبات المتغيرة ، فإن مجمع وقف إبشير مصطفى باشا هو شاهد هام على التنمية الاقتصادية والاجتماعية المدنية في حلب خلال القرون العديدة الماضية. في القرن 17 كانت وظيفة الوقف الرئيسية توفير المزيد من الخدمات التجارية والاجتماعية لتلبية احتياجات السكان المحليين، التي شملت التجار والعديد من الحرفيين الذين يعملون في مجال تصنيع المنسوجات الذي نما سريعاً في ذلك الوقت.[43]

يعتبر مسجد مجمع الوقف من أكبر المساجد وأكثرها تفصيلاً من حيث نمطه في الضاحية الشمالية في ذلك الوقت - على الرغم من صغر حجمه - وإدخاله كاملاً في المبنى، والنقص النسبي في إمكانية رؤيته.[44] وينتمي المسجد وكذلك القسطل إلى المرافق التي لم تساهم مالياً في الوقف الخيري ولكن تم تمويلها منه.

لم يكن المقصود من المقهى، كجزء من التسهيلات الاقتصادية أو التجارية الربحية في وقف إبشير مصطفى باشا، توليد مبالغ كبيرة من المال مثل الخان أو القيساريات[45]، بل تلبية احتياجات الناس العاديين في الأحياء المحيطة. من المرجح أن يكون قد تم بناؤه لأغراض اجتماعية، مستفيداً من وجود حمام بهرام باشا على الطرف المقابل، والذي كان بعد ذلك مركزاً هاماً آخر للحياة الاجتماعية في المجال العام للمدينة. صُممت نوافذ الواجهة الأمامية في المقهى لتكون في مستوى العين، لتشكل علاقة مباشرة بين من يجلسون في الداخل والمارة في الشارع.[46] ويضمن جانب الباحة في الصالة برودة منعشة بسبب أروقة مفتوحة ومساحة أمامية مع حوض مائي، يتمتع بها زوار المقهى خاصة خلال موسم الصيف الحار.[47] كانت صالة المقهى الفخمة في مجمع وقف إبشير مصطفى باشا في الواقع واحدة من أكبر المساحات غير التجارية المستخدمة في حلب العثمانية.[48]

10. وقف إبشير مصطفى باشا، منظر تظهر فيه الزاوية الجنوبية الغربية للمجمع

المراجع العربية

دافيد، جان كلود. وقف إبشير باشا (1063/1653): دراسة عمرانية ومعمارية وتاريخية. ترجمة: محمود حريتاني. حلب: دار شعاع، 2007.
 
الطباخ، محمد راغب (ت. 1563). إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء. 8 أجزاء. الطبعة الثانية. تحقيق: محمد كمال. حلب: دار القلم العربي، 1988-1992. الطبعة الأصلية حلب: المطبعة العلمية، 1923-1926.
 
عثمان، نجوى. دراسة نقائش العهد العثماني في محافظة حلب: المباني وشواهد القبور. حلب: مديرية أوقاف حلب، 2010.
 
الغَزِّي ،كامِل. نهر الذهب في تاريخ حلب. 3 أجزاء. الطبعة 2. تحقيق: شوقي شعث، ومحمود فاخوري. حلب: دار القلم العربي، 1991-1993. والطبعة الأصلية في عام 1922-1926 في حلب: المطبعة المارونية.
 
 

Bibliography 

David, Jean-Claude. Le waqf dIpšīr Pāšā à Alep (1063/1653): Étude d’urbanisme historique. Avec la collaboration de Bruno Chauffert-Yvart. Damascus: Presses de l'Ifpo, 1982.
https://books.openedition.org/ifpo/7438

———. La Suwayqat ʿAlī à Alep. Avec la collaboration de Fawaz Baker, Thierry Grandin et Mahmoud Hreitani. Damascus: Presses de l’Ifpo, 1998.
https://books.openedition.org/ifpo/7579.

Emami, Farshid. “Coffeehouses, Urban Spaces, and the Formation of a Public Sphere in Safavid Isfahan.” Muqarnas: An Annual on the Visual Culture of the Islamic World 33 (2016): 177–220.
http://www.academia.edu/30593202/Coffeehouses_Urban_Spaces_and_the_Formation_
of_a_Public_Sphere_in_Safavid_Isfahan
.

Gaube, Heinz. Arabische Inschriften aus Syrien. Beirut: Orient-Institut der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft, 1978.

Raymond, André. “Les grands waqfs et l’organisation de l’espace urbain à Alep et au Caire à l’époque ottomane (XVIe–XVIIe siècles).” Bulletin d’études orientales 31 (1979): 113–32.

Watenpaugh, Heghnar Zeitlian. The Image of an Ottoman City: Imperial Architecture and Urban Experience in Aleppo in the 16th and 17th Centuries. Leiden: Brill, 2004.
https://books.google.de/books?id=utQo4ek-7BIC&printsec=frontcover&dq=isbn:9789004124547&hl=de&sa=X&ved=0ahUKEwjribignsbYAhWQ-6QKHXSgCxQQ6AEIJzAA#v=onepage&q&f=true.

Nachweise

[1] الطباخ، إعلام النبلاء، 212:3.
[2] الغَزِّي، نهر الذهب، 402:2-404.
[3] هناك نصا تأسيس بمحتوى واحد، نص بالعربية ونص بالعثمانية. انظر دافيد، وقف إبشير باشا، 168، الصورة 3،2 لوحة 14; عثمان، دراسة النقائش، 259-261.
[4] Gaube, Arabische Inschriften, 40.
[5] دافيد، وقف إبشير باشا، 85-83.
[6] دافيد، وقف إبشير باشا، لوحة 29، 30.
[7] دافيد، وقف إبشير باشا، 95.
[8] دافيد، وقف إبشير باشا، 92.
[9] الغَزِّي، نهر الذهب،:204:2.
[10] الغَزِّي، نهر الذهب،:372:2، 401.
[11] الغَزِّي، نهر الذهب،:374:2.
[12] الغَزِّي، نهر الذهب،:402:2، 404.
[13] دافيد، وقف إبشير باشا، 14-16.
[14] زكر الغَزِّي قيساريتين ولكن كان هناك واحدة فقط.
[15] استنتج دافيد أن العدد الأصلي للمحلات كان 13 وليس 16، انظر دافيد، وقف إبشير باشا، 41.
[16] دافيد، وقف إبشير باشا، 15.
[17] دافيد، وقف إبشير باشا، 44-49.
[18] دافيد، وقف إبشير باشا، 47.
[19] دافيد، وقف إبشير باشا، 50.
[20] انظر الغَزِّي، نهر الذهب،:204:2 و دافيد، وقف إبشير باشا، 58.
[21] دافيد، وقف إبشير باشا، 43.
[22] دافيد، وقف إبشير باشا، 27.
[23] الغَزِّي، نهر الذهب،:402:2.
[24] دافيد، وقف إبشير باشا، 113.
[25] دافيد، وقف إبشير باشا، 37.
[26] دافيد، وقف إبشير باشا، 104.
[27] دافيد، وقف إبشير باشا، 106.
[28] دافيد، وقف إبشير باشا، 38.
[29] دافيد، وقف إبشير باشا، 130.
[30] دافيد، وقف إبشير باشا، 105-108.
[31] دافيد، وقف إبشير باشا، 113.
[32] دافيد، وقف إبشير باشا، 43.
[33] See Emami, “Coffeehouses, Urban Spaces,” 202-03.
[34] Watenpaugh, The Image of an Ottoman City, 176.
[35] Raymond, “Grands waqfs,” 120.
[36] دافيد، وقف إبشير باشا، 43. و (Watenpaugh, The Image of an Ottoman City, 162.)
[37] David, La Suwayqat ʿAlī, 108–12 and 184, pl. 14a.
[38] David, Le waqf d’Ipšīr Pāšā, 39; David, Waqf Ibshir Pasha, 60.
[39] دافيد، وقف إبشير باشا، 58.
[40] Watenpaugh, The Image of an Ottoman City, 164.
[41] Watenpaugh, The Image of an Ottoman City, 164.
[42] دافيد، وقف إبشير باشا، 43.
[43] دافيد، وقف إبشير باشا، 95.
[44] دافيد، وقف إبشير باشا، 49.
[45] دافيد، وقف إبشير باشا، 92.
[46] Watenpaugh, The Image of an Ottoman City, 164.
[47] دافيد، وقف إبشير باشا، 58.
[48] دافيد، وقف إبشير باشا، 54.

المراجع العربية

دافيد، جان كلود. وقف إبشير باشا (1063/1653): دراسة عمرانية ومعمارية وتاريخية. ترجمة: محمود حريتاني. حلب: دار شعاع، 2007. 

الطباخ، محمد راغب (ت. 1563). إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء. 8 أجزاء. الطبعة الثانية. تحقيق: محمد كمال. حلب: دار القلم العربي، 1988-1992. الطبعة الأصلية حلب: المطبعة العلمية، 1923-1926.

 عثمان، نجوى. دراسة نقائش العهد العثماني في محافظة حلب: المباني وشواهد القبور. حلب: مديرية أوقاف حلب، 2010. 

الغَزِّي ،كامِل. نهر الذهب في تاريخ حلب. 3 أجزاء. الطبعة 2. تحقيق: شوقي شعث، ومحمود فاخوري. حلب: دار القلم العربي، 1991-1993. والطبعة الأصلية في عام 1922-1926 في حلب: المطبعة المارونية.

http://shamela.ws/browse.php/book-11788/page-7  

 

Bibliography 

David, Jean-Claude. Le waqf dIpšīr Pāšā à Alep (1063/1653): Étude d’urbanisme historique. Avec la collaboration de Bruno Chauffert-Yvart. Damascus: Presses de l'Ifpo, 1982.
https://books.openedition.org/ifpo/7438

———. La Suwayqat ʿAlī à Alep. Avec la collaboration de Fawaz Baker, Thierry Grandin et Mahmoud Hreitani. Damascus: Presses de l’Ifpo, 1998.
https://books.openedition.org/ifpo/7579.

Emami, Farshid. “Coffeehouses, Urban Spaces, and the Formation of a Public Sphere in Safavid Isfahan.” Muqarnas: An Annual on the Visual Culture of the Islamic World 33 (2016): 177–220.
http://www.academia.edu/30593202/Coffeehouses_Urban_Spaces_and_the_Formation_
of_a_Public_Sphere_in_Safavid_Isfahan
.

Gaube, Heinz. Arabische Inschriften aus Syrien. Beirut: Orient-Institut der Deutschen Morgenländischen Gesellschaft, 1978.

Raymond, André. “Les grands waqfs et l’organisation de l’espace urbain à Alep et au Caire à l’époque ottomane (XVIe–XVIIe siècles).” Bulletin d’études orientales 31 (1979): 113–32.

Watenpaugh, Heghnar Zeitlian. The Image of an Ottoman City: Imperial Architecture and Urban Experience in Aleppo in the 16th and 17th Centuries. Leiden: Brill, 2004.
https://books.google.de/books?id=utQo4ek-7BIC&printsec=frontcover&dq=isbn:9789004124547&hl=de&sa=X&ved=0ahUKEwjribignsbYAhWQ-6QKHXSgCxQQ6AEIJzAA#v=onepage&q&f=true.